أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
181
التوحيد
والثالث فيه بيان سفه من يفهم أن خلق كل شيء على ما عليه يوجب وصف الرب ، أو تحقيق الفعل من الوجه الذي يكون من العباد منه . والرابع ليعلم أن اللّه يتعالى عن أن يلحقه ذم في فعل أو مدح من حيث ذلك المفعول بحال ، وذلك ببعض الاعتزال ؛ إذ جعلوا له هذا الامتداح بخلقه ، وما يكون كذلك فهو شرف الدوام وخوف الانقطاع ، جل ربنا عن ذلك . وما ذكر في المجوس فهم قالوا ذلك لإنكار خلق اللّه الشرور ، ونسبتهم كل خير إلى اللّه خلقا وإرادة ، وذلك رأى المعتزلة في تخصيص هذه الآية ؛ ليخرجوا بذلك الشرور عن خلقه ، فهذا وجه تشبيه رسول اللّه إياهم بالمجوس ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم كان قول المجوس خيرا من قول القدرية عند التحصيل ؛ لأنهم نزهوا اللّه عز وجل عن قول الشر وما يذمّ الفاعل عليه وحققوا له فعل الخير وما يحمد عليه ، ثم القدرية بالوجه الذي أنكر المجوس صرفوا الآية عن المفهوم تسترا ، وأبطلوا عنه أيضا خلق كل شيء يحمد عليه من الخيرات ، ونسأل اللّه العصمة . ثم من حيدهم أن سئل عن حكم الآية فأعرض عن ذلك واشتغل في الإجابة عن نوع الأفعال ، وحقيقته أن يقول به في الجملة ، وعند التفسير فيما يقبح لا يقول كما يقول : اللّه في كل مكان ، فإذا سئل عنه في الحشوش والأمكنة القذرة أبى ذلك ، ثم هو رب كل شيء وإله كل شيء ثم عند التفسير فيما يقبح يأبى إلا أنه لما يصير بحيث ذلك الإطلاق يدفع أصله ، فمثله ما نحن فيه ، واللّه الموفق . ثم احتج لخصمه بقوله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 96 ] ، قال : يريد به آلهتهم ، كقوله : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ [ الصافات : 95 ] ، وكقوله : تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [ الأعراف : 117 ] . قال الشيخ رحمه اللّه : نقول وباللّه التوفيق ظاهر الآية ذكر خلق العمل ، فلم يجز صرف ذلك إلى غيره إلا بالبيان ، مع ما في جميع ما ذكر نحتهم داخل ، وكذلك إفكهم ما ذكر وبه عوبوا لا بذلك الشيء حيث فعلوا ثم عبدوا ، فكأنهم عبدوا فعلهم ، فمثله ما نحن فيه . أيضا أنه لو صرّح بالآية آلهتهم بعد أن ذكر معمولا ، فإذا لم يكن اللّه خلق العمل لم يجز له القول بخلقه معمولا ؛ إذ ليس هو كذلك مخلوقا ، فثبت أن العمل مخلوق ، ليعبدوا مخلوقا معمولا كما ذكر ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم من عظم سفههم أن احتجوا بقوله : تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [ المائدة : 103 ] ، وتلك أسماء تلك الأعيان في نفي خلق الأعمال بقوله : ما جعل كذا ، وهن أسماء تلك الأعيان لا الأفعال ، وهن مخلوقات لا شك ، ثم يرد فيما ذكر العمل بالخلق إلى حقيقة الأعيان ليدفع خلق الأفعال ، فهذا يبيّن أن رأيهم أن لا يقبلوا عن اللّه خبره ، ولا يرجو في أمر إلى تدبيره ، واللّه أسأل العصمة عن ذلك .